بعد مرور آلاف السنين، عادت قصة الصندل من جديد لتلصق بحياة صاحبة الثغر الباسم والقفــ.ــشات الكوميدية، إذ انقــ.ــطع رباط حذائها أثناء إحدى رقصاتها في ملهى «الرولز»، لتقرر أن الرقص من دونه أفضل، لتخلع الزوج الآخر وتنطلق حافية على المسرح، فيما كان محمد بديع سربيه، مالك مجلة «الموعد» ساهرًا في نفس الملهى، فلما رآها على حالها أطلق عليها اسم «الراقصة الحافية»، ليرافقها ذلك اللقب طوال حياتها.

إنها فراشة السينما المصرية، سامية جمال التي تستعرض «المصري لايت» في هذا التقرير لمحات من حياتها في ذكرى وفاتها.

1. بداية متـــ.ـــعثّرة

سامية جمال هي زينب خليل إبراهيم محفوظ، ولدت في محافظة بني سويف 22 فبراير 1924. عاشت طفولة حــــ.ــزينة، ونشأت في كنف زوجة أب تعاملها بقســ.ـــــوة شـــ.ـــــديدة، وبعد وفاة والدها انتقلت إلى العيش مع أختها، لتبدأ رحلة شـــ.ـقاء أخرى.

زوج أختها الموظف البسيط لم يستطع الإنفاق على ابنه وزوجته وشقيقتها، فتعلمت «سامية» الخياطة من أختها كي تساعد في مصروف البيت، بالإضافة إلى رعايتها لابن أختها الصغير، ثم بدأت تبحث عن عمل يدر لها دخلاً، فعملت في مصنع للطباعة على القماش كعاملة، ثم ممــــ.ـــرضة في إحدى المستشفيات، حتى بدأت تتعلق بالفن من خلال جارة لها كانت مفتونة بالسينما، فأخذتها ذات يوم لتشاهد فيلمًا، وكان اليوم الذي ربطها بعالم الفن.

2. في بلاط «بديعة مصابني»

أول فيلم شاهدته «سامية جمال» كان «ملكة المسارح» للراقصة الشرقية «بديعة مصابني»، وكان له تأثير قوي في نفس الشابة، فباتت تحلم بأن تكون راقصة في فرقتها وهو ما حققته بالفعل، وتمكنت من أن تصبح راقصة لامعة في واحدة من أشهر الفرق الفنية التي أخرجت للعالم العربي نجومًا من أمثال إسماعيل يس، تحية كاريوكا، فريد الأطرش، محمد عبد المطلب، محمد فوزي وغيرهـــ.ــــم.

فأثناء تواجدها في كافتيريا ‏‏«الجمال»، تصادف وجود ابن صاحب الكافتيريا مصطفى الجمال الذي ‏ســ.ــــمع حديثها عن الراقصة الشهيرة ورغبتها في أن تصبح راقصة مثلها، فأبدى ‏استعداده لتقديمها إليها، وهو ما تم بالفعل لتحتضنها «بديعة» وتقدــ.ـمها في فرقتها بعد أن جعلت لها ‏مــ.ــــرتبًا شهريًا قدره 6 جنيهات، لكن «سامية» فشلت في أول رقصة فردية، ‏واستقبلها الجمهور بعبارات الاستــــ.ــــهزاء والاستـــ.ـــهجان، فعادت إلى قواعدها ‏في الصفوف الخلفية بين الكومبارس.‏

3. انطلاقة ناجحة


أدركت الفراشة أن الرقص علم ينبغي أن تدرسه بقواعده ‏وأصوله، فطلبت من مدرب الرقص في فرقة مصابني «إيزاك ديكسون» أن يدربها، ‏فدربها على رقصتين غربيتين، وفيما بعد درست الرقص الغربي ‏الحديث والتحقت بمدرسة تعلمت فيها رقصات «السامبا، والرومبا، والروك آند رول والتانجو والفالس، وغيرها»، كما درست ‏الباليه على يد مدربة أجنبية، وأصبحت أسطورة في الرقص البلدي ‏والفرعوني والهندي.

وضاعفت «بديعة» راتبه الراقصة الصغيرة إلى 12 جنيهًا، ثم تعاقدت ‏على الرقص في ملهى بالسويس بـ 20 جنيهًا، ثم في كباريه «الكيت كات»، وبعده ملهى «الرولز» بـ 40 جنيهًا، وفي هذا ‏الملهى اكتسبت لقبها «الراقصة الحافية» بعد واقـــ.ـــعة حذائها الشهيرة.

عملت «سامية جمال» من خلال ممارستها الطويلة للرقص الشرقي على تطوير أسلوب خاص بها، فتميز رقصها بالمزج بين اللون الشرقي والرقصات الغربية، حتى كوّنت اتجاهًا فنيًا مضادًا لاتجاه «تحيّة كاريوكا» التي انحصرت في رقصات الشرق القديمة، كما ركزت على تقديم حالة من الانبهار للمتفرج، فكانت تستفز الحضور بحركاتها الإنسيابية التي دعمتها عوامل أخرى كالملابس والموسيقى والإضاءة والتابلوهات الراقصة التي تشكلها صغار الراقصات في الخلفية.

4. ممثلة بالصدفة

كان للصدفة دور كبير حين شاركت ككومبارس عام 1939 في ‏فيلمي «المعلم بحبح» و«العزيمة»، ومن بعدهما «انتصار الشباب» و«‏ممنوع الحب» و«خفايا المدينة».

وفي عام 1943، اتجهت «سامية جمال» إلى التمثيل، فشاركت في العديد من الأعمال السينمائية حيث شكلت ثنائي ناجح مع الفنان «فريد الأطرش» في أفلام عدة، وقدّــــ.ــمت على أغنياته وألحانه أحلى رقصاتها وأقواها، ومن أبرز أعمالهما الثنائية أفلام: «حبيب العمر»، «احبك أنت»، «عفريته هانم»، «آخر كذبة»، «تعالى سلم»، و«ما تقولش لحد».

5. حب وزواج

كانت قصة حب «سامية جمال» و«فريد الأطرش» من أشهر قصص الحب في الوسط الفني، إذ كان الكل ينتظر أن تكلل بالزواج، وهو ما كانت تأمله «سامية»، أما «الأطرش» فكان له رأي آخر، فالزواج عنده بمثابة شهادة الوفاة لعاطفة الحب التي إذا مــــــ.ــاتت ضاع مصدر وحيه وإلهامه لألحانه وأغانيه الشهيرة.

وعندما تيقنت من رفض «الأطرش» الارتباط بها، قررت أن تدير ظهرها إليه، خاصة بعدما لاح من يخطب ودها بالفعل ويتمنى الاقتران بها، إنه «شبرد كينج» الذي تعرفت عليه «سامية» خلال رحلتها إلى فرنسا، وتوطدت العلاقة بينهما سريعًا، حيث كان يعمل متعهدًا للحفلات، وكثيرًا ما طلب الارتباط بها، وكانت تجيبه بتردد نظرًا لاختلاف الديانة، فلم يتردد في إشهار إسلامه وأصبح «عبدالله كينج».

بعد الزواج سافر الزوجان إلى ولاية تكساس الأمريكية لقضاء شهر العسل، واستطاع «كينج» إقناعها بالعمل في مسارح خمسة عشر ولاية أمريكية، فرحّبت بالعرض، إذ كان الفن طقسًا من طقوسها اليومية.

وجنت الفراشة طوال العامين ونصف ما يقرب من عشرة آلاف جنيهًا مصريًا، بالإضافة إلى اشتراكها برقصة في الفيلم الأمريكي Valley of the Kings، كما كانت بطلة الفيلم الفرنسي «علي بابا والأربعين حرامي». ولكن الزوج الأمريكي استولى على أموالها، فطلبت منه الطلاق، وعادت من جديد إلى مصر.

6. ليالي بليغ حمدي

اقترن اسم الراقصة السمراء لفترة بالموسيقار بليغ حمدي، الذي كان يصغرها بثماني سنوات، وكان قد بدأ اسمه في اللمعان كملحن لأغاني عبدالحليم حافظ، ثم أم كلثوم.

قصة حب الموسيقى والرقص، كادت أن تكلل بالزواج، إلا أنها تلقت مكالمة تليفونية من فنانة جديدة، أخبرتها بأنها خطيبة «بليغ»، ودون أن تتحرى من الأمر عدلت «سامية» عن فكرة الزواج منه.

7. حافية القدمين والشحرورة والدنجوان

الحب الأخير الذي تكلل بالزواج في حياة سامية جمال، كان حبها لـ«رشدي أباظة»، وكانت الزوجة الثالثة للدنجوان، بعد الراقصة تحية كاريوكا والمضيفة الجوية الأمريكية «باربارا» التي انجبت له ابنته «قسمت».

فيلم «الرجل الثاني» كان بداية قصة الحب التي جمعت بينهـــ.ــــم «سامية» و«أباظة»، بعد أن تمكن السمراء الحافية من الإيقاع بالدنجوان الأشهر في شباك حبها.

وتزوج «أباظة» من «سامية» في 1959، واستمر زواجهما قرابة 18 عامًا، حتى انتهى في 1977، بعدما شهد عام 1967 أزمة كبرى في حياتهما وهو زواجه من الفنانة اللبنانية «صباح».

وقالت «قسمت» ابنة رشدي أباظة عن عن سنة الخلاف: «زواج والدي من صباح بدأ بـ(دعابة) في لبنان، فصباح تحدّته أنه لا يستطيع الزواج منها خوفًا من سامية جمال، فاصطحبها للمأذون، وتحولت هذه الدعابة إلى واقــــ.ـــع بالزواج، وتم الطلاق بعد أسبوعين وظلت صديقة لأبي حتى وفاته».

بينما قال الفنان سمير صبري، في أحد البرامج، عن رد فعل الزوجة الأولى على زواج الدنجوان من الشحرورة: «سامية جمال قالت إنها ستنتظره في المطار وهو عائد من بيروت بعد رحلة زواجه، ولن تتفوه بكلمة عن خبر زواجه، قائلة: (مش راجع لبيته أهلا وسهلًا بيه)، واستقبلته واحتضنته، وذهبا إلي البيت وكأن شيئا لم يكن».

8. الاعتزال

في أوائل السبعينيات اعتزلت سامية جمال الأضواء والفن، ثم عادت مرة أخرى إلى الرقص في منتصف الثمانينات، ولكنها سرعان ما عاودت الاعتزال مرة أخرى.

يقول الموسيقار محمد أمين صديق الفراشة إن «سامية جمال لم تكتب مذكرات ولم تفكر في ذلك رغم العروض المالية الكبيرة التي تلقتها»، مؤكدًا أنها لم ترغب في الحديث عن حياتها الخاصة.

وبعد اعتزالها اختارت أن تبتعد تمامًا عن الأضواء. وأرادت أن تترك انطباعًا جميلًا لدى الناس يناسب مشوارها الفني الكبير.

وبعد اعتزالها اعتبرت أن علاقتها بالفن انتهت ولم يعد لها مكان سوى البيت وزيارة الأصدقاء وشقيقتها الكبرى وابن شقيقتها، ولم تكن لتتحدث عن حياتها الفنية والشخصية إلا مع المقربين منها.

وبعيدًا عن حياة الصخب والأضواء، حرصت «سامية» على أداء فريضة الحج، فظهرت في صورة نادرة بجوار منزلها وهي مرتدية ملابس الإحرام في طريقها إلى المطار.

9. أفول نجم «الفراشة»

عانـــ.ــــت فراشة السينما المصرية قبل رحليها من نقص حاد فى هيموجلوبين الدـــ.ــم بسبب قلة التغذية، إذ كانت معتنية برشاقتها، مما تسبب فى حجزها أكثر من مرة في المستشفى، وعندما أحسّت بدنو أجلها، أصـــ.ــــرت على شراء مدفـــ.ــنها.

وبالفعل اشترت مدـــ.ــفن في أول طريق السويس، وكانت تزوره من حين إلى آخر، وفي إحدى المــــ.ــــرات التى ذهبت هناك، وجدت الحارس كاتبًا على قبــــ.ـــرها عبارة «مدــ.ـفن الفنانة سامية جمال»، فوبــــ.ــخته على وضع كلمة «فنانة»، قائلة: «المــــ.ــوت مافيهوش فنانة ولا غيره».

وقررت سامية جمال الخروج من المستشفى خلال مرضها الأخير، وعندما اتصل بها صديقها محمد أمين قالت له: «أكره البقاء في المستشفيات»، ثم قضــــ.ــــت 6 أيام في شقتها بالزمالك، وتم نقلها إلى المستشفى وهي في حالة خطـــ.ــــيرة حيث شعرت بآــــ.ـلام في المعدة بعد إصـــ.ــابتها بجلطة في الوريد المغـــ.ــــذي للأمــ.ــــــــعاء ما أدى إلى حدوث «غرغرينا»، وتطلب الأمـــ.ــــر إجراء عملية استئـــــ.ـــصال للأمعاء، ولكن حالتها لم تتحسن، وبدأت تفـــ.ـــقد الوعي تدريجياً حتى توفــ.ــــيت في مستشفى مصر الدولي في 1 ديسمبر عام 1994.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *